أبي منصور الماتريدي
17
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم * ولا دماؤهم للغيظ ترويني ثم حول وجهه إلى القبلة فأطال السجود ، ثم جلس وقد أسفر وجهه ، وتمثل بقول العباس بن عبد المطلب من أبيات له : أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * قواطع في أيماننا تقطر الدما تورثن من أشياخ صدق تقربوا * بهن إلى يوم الوغى فتقدما إذا خالطت هام الرجال تركتها * كبيض نعام في الوغى متحطما « 1 » والحق أن الشعراء قد أذكوا لدى بني العباس نيران العداوة ضد بني أمية ، وزادوها اشتعالا ، فروي أن السفاح كان جالسا في مجلس الخلافة ، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وقد أكرمه السفاح ، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده : لا يغرنك ما ترى من رجال * إن تحت الضلوع داء دويّا فضع السيف وارفع السوط حتى * لا ترى فوق ظهرها أمويّا فالتفت سليمان وقال : قتلتني يا شيخ ، ثم دخل السفاح وأخذ سليمان فقتل « 2 » . وقد أسرف العباسيون في التنكيل بالأمويين إسرافا لا يراعي للموت حقّا ولا يعرف له جلاله وحرمته ، فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان ، فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء ، ونبشوا قبر يزيد بن معاوية ، فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد « 3 » . ولم تكن سياسة الانتقام التي اصطنعها أبو العباس السفاح ضرورة طارئة ألجأه إليها إشباع روحه النزاعة إلى الانتقام ، أو تثبيت أركان دولته الناشئة ، بل كانت سياسة مضطردة توشك أن تسم العصر العباسي الأول كله بميسمها ؛ يقول ابن دأب - وقد كان من خواص الخليفة الهادي : « دعاني الخليفة الهادي في وقت من الليل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله ، فدخلت إليه ، فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي وقدامه جزء ينظر فيه ، فقال لي : يا عيسى ، قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : إني أرقت في هذه الليلة وتداعت إليّ الخواطر واشتملت عليّ الهموم وهاج لي ما جرت إليه بني أمية من بني حرب وبني مروان في سفك دمائنا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا عبد الله بن علي قد قتل منهم على نهر أبي فطرس فلانا وفلانا ، حتى أتيت على تسمية من قتل منهم ، وهذا عبد الصمد بن علي قد
--> ( 1 ) ابن الأثير ، الكامل ( 5 / 427 ، 428 ) ، المسعودي ، مروج الذهب ( 3 / 271 ، 272 ) . ( 2 ) ابن الأثير ، الكامل ( 5 / 429 ) . ( 3 ) ابن الأثير الكامل ( 5 / 430 ) ، سمط النجوم العوالي ( 3 / 350 ، 351 ) .